العيني

77

عمدة القاري

ومنها : أن رواته كلهم كوفيون . ومنها : أن فيه عن أبي بردة عن أبي موسى ، ولم يقل : عن أبي بردة عن أبيه . قال بعضهم : إنما قال ذلك تفنناً . قلت : التفنن هو التنوع في أنواع الكلام وأساليبه من الفن واحد الفنون ، وهي الأنواع ، ولا يكون ذلك إلاَّ باختلاف العبارات ، وليس ههنا إلاَّ عبارة واحدة فكيف يكون من هذا القبيل . بيان من أخرجه غيره : أخرجه البخاري ههنا فقط . وأخرجه مسلم في فضائل النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وعبد اللَّه بن براد وأبي كريب ، والنسائي في العلم عن القاسم بن زكريا الكوفي ، ثلاثتهم عن أبي أسامة عنه به . بيان اللغات : قوله : ( مثل ) ، بفتح الميم والثاء المثلثة : المراد به ههنا الصفة العجبية لا القول السائر . قوله : ( من الهدى ) ، قال الجوهري : الهدى الرشاد ، والدلالة ، يذكر ويؤنث . يقال : هداه الله للدين هدى ، وهديته الطريق والبيت هداية ، أي : عرفته ، هذه لغة أهل الحجاز وغيرهم . تقول : هديته إلى الطريق وإلى الدار ، حكاها الأخفش ، وهدى واهتدى بمعنى ، وفي الاصطلاح : الهدى : هو الدلالة الموصلة إلى البغية . قوله : ( والعلم ) هو صفة توجب تمييزاً لا يحتمل متعلقه النقيض ، والمراد به ههنا الأدلة الشرعية . قوله : ( الغيث ) هو المطر ، وغيثت الأرض فهي مغيثة ومغيوثة . يقال : غاث الغيث الأرض إذا أصابها . وغاث الله البلاد يغيثها غيثاً . قوله : ( نقية ) ، بفتح النون وكسر القاف وتشديد الياء آخر الحروف : من النقاء ، هكذا هو عند البخاري في جميع الروايات ، ووقع عند الخطابي والحميدي ، وفي حاشية أصل أبي ذر : ثغبة ، بفتح الثاء المثلثة وكسر الغين المعجمة بعدها باء موحدة خفيفة مفتوحة ، قال الخطابي : هي مستنقع الماء في الجبال والصخور ، وقال الصغاني : الثغب ، بالتحريك : الغدير ، يكون في ظل جبل لا تصيبه الشمس فيبرد ماؤه ، والجمع : ثغبان . مثل : شبث وشبثان . وقد يسكن فيقال : ثغب ، ويجمع على : ثغبان ، مثل : ظهر وظهران . ويجمع على : ثغاب أيضاً . وقال صاحب ( المطالع ) : هذه الرواية غلط من الناقلين وتصحيف ، وإحالة للمعنى لأنه إنما جعلت هذه الطائفة الأولى مثلاً لما تنبت ، والثغبة لا تنبت ، ويروى : بقعة ، ويروى : ( طيبة ) . كما في رواية مسلم . قوله : ( قبلت الماء ) : من القبول ، وهي بفتح القاف وكسر الباء الموحدة ، قال الشيخ قطب الدين : وهذا الموضع لا خلاف فيه . قلت : أشار به إلى أن الخلاف في قوله : قال إسحاق : وكان منها طائفة قبلت الماء ، يعني : هل يقال فيه بالباء الموحدة ، أو بالياء آخر الحروف على ما يجيء عن قريب إن شاء الله تعالى ؟ وقال بعضهم : كذا هو في معظم الروايات . ووقع عند الأصيلي : قيلت ، بتشديد الياء آخر الحروف . قلت : ذكر هذا ههنا غير مناسب ، لأن هذا الموضع لا خلاف فيه ، كما قاله الشيخ قطب الدين ، وإنما يذكر هذا عند قول إسحاق . قوله : ( الكلأ ) ، بفتح الكاف واللام ، وفي آخره همزة بلا مد . قال الصغاني : الكلأ العشب ، وقد كلئت الأرض فهي كليئة ، ثم قال في باب العشب : العشب الكلأ الرطب ، ولا يقال له حشيش حتى يهيج ، وأعشبت الأرض إذا أنبتت العشب . وقال في باب الحشيش : الحشيس الكلأ اليابس ، ولا يقال له : رطب حشيش . قلت : علم من كلامه أن الكلأ يطلق على الرطب من النبات واليابس منه ، وكذا صرح به ابن فارس والجوهري والقاضي عياض : الكلأ يطلق على الرطب واليابس من النبات ، وفهم من قول الصغاني أيضاً أن الحشيش لا يطلق على الرطب ، كذا صرح به الجوهري ، وهو منقول عن الأصمعي ذكره البطليوسي في ( أدب الكتاب ) ونقل عن أبي حاتم إطلاقه عليه . وقال الكرماني : الكلأ ، بالهمزة : هو النبات يابساً ورطباً ، وأما العشب والخلاء مقصوراً فمختصان بالرطب ، والحشيش مختص . باليابس . قلت : قال الجوهري : الخلاء ، مقصور : الحشيش اليابس ، الواحدة خلاءة . والصواب مع الكرماني ، فالجوهري سهى فيه لأن الخلاء الرطب ، فإذا يبس فهو حشيش . قوله : ( أجادب ) ، بالجيم وبالدال المهملة : جمع جدب على غير قياس ، كما قالوا في : حسن ، جمعه : محاسن . والقياس أنه جمع : محسن ، أو جمع : جديب . وهو من الجدب الذي هو القحط ، والأرض الجدبة التي لم تمطر ، والمراد ههنا الأرض التي لا تشرب لصلابتها فلا تنبت شيئاً . وفي ( العباب ) : أرض جدبة وجدوب أيضاً ، وارضون جدوب ، ومكان جدب وجديب بين الجدوبة ، وعام جدب ، واجدب القوم أصابهم الجدب ، وأجدبت أرض كذا أي : وجدتها جدبة . وقال ابن السكيت : جادبت الإبل العام إذا كان العام محلاً ، فصارت لا تأكل إلاَّ الدرين الأسود ودرين الثمام ، وهكذا هو عامة الروايات في البخاري ، ورواية مسلم أيضاً هكذا ، وضبطه المازري بالذال المعجمة ، وكذا ذكره الخطابي ، وقال : هي صلاب الأرض التي تمسك الماء . وقال القاضي : هذا وهم . قلت : إن صح ما قاله الخطابي يكون من الجذب ، وهو انقطاع الريق ، قاله أبو عمرو . ويقال للناقة إذا قل لبنها : قد جذبت فهي جاذب ، والجمع : جواذب ،